قصة* للكاتب الروسي فسيفولود ميخايلوفيتش غارشين 1855-1888
أتذكر حين ركضنا عبر الغابة، وأذكر عندما أزَّ الرصاص وكيف تساقطت الأغصان من ضربه، ولما شققنا طريقنا بين أحراش الزعرور. تفاقم زخ الرصاص. لمحت حُمرة خلال طرف الغابة تلمع هنا وهناك. سيدوروف، الجندي الشاب في الكتيبة الأولى (قدح في ذهني سؤال “كيف وصل إلى صفنا”)، ولم يلبث حتى جثا على الأرض صامتاً محدقاً فيَّ بعينين واسعتين مذعورتين. نضحت الدماء من فمه. نعم، أذكر ذلك جيداً. أذكر أيضاً حينما أوشكت على الوصول إلى طرف الغابة ورأيته… إياه. كان تركياً فطحلاً ضخماً، ولكنني ركضت نحوه مباشرة على ضعفي وهزالي. ارتطم شيء ما، شيء ما ضخم كما بدا لي، مر بجانبي وطنَّ صوت ما في أذني. وخِلتُ لنفسي: “لقد أطلق هذا عليَّ النار”. كان بوسعه الالتفاف حول الشجيرة، لكنه لخوفه لم يفطن فاندفع نحو الأغصان الشائكة. طرحت سلاحه بضربة، وبأخرى غرزت حربتي في مكان ما. صدر صوت ما بين الزفير والأنين. ثم واصلت الركض. كان زملائي يطلقون صيحات “أورا!”، ينبطحون، ويطلقون النار. أذكر أنني أطلقت بضع طلقات عندما انبثقتُ لتوي من الغابة، في المرج. تعالت صيحات “أورا” فجأة فتقدمنا مسرعين للأمام. لا أعني أن من تقدم هم نحن، بل أصحابنا، لأنني بقيت. استغربت الأمر. والأغرب من ذاك أن كل شيء اختفى، سكنت كل تلك الصيحات والطلقات. لم أسمع شيئاً، ولكن كنت أرى شيئاً ما أزرق، لا بد أنها السماء، ثم اختفى ذلك الشيء أيضاً.
لم يسبق لي أن وقعت في موقف بهذه الغرابة. أرقد فيما يبدو على بطني وكل ما أراه أمامي رقعة صغيرة من الأرض. بضع نصيلات عشب، ونمل كان يزحف على إحداها مقلوباً، وأجزاء من عيدان قش من العام الماضي، هذا هو كل ما في عالمي. وأراه بعين واحدة فقط، لأن الأخرى فيما يبدو محصورة بشيء صلب، لعله الغصن الذي يستند عليه رأسي. حالي غاية في البؤس، أريد أن أتحرك، لكنني لا أفهم لِمَ أعجز عن ذلك. يمضي الوقت على هذه الحال. أسمع صرير الجنادب، وأزيز النحل. لا شيء آخر. وأخيراً، أبذل الوسع فأحرر يدي اليمنى من تحتي، أسند يدي على الأرض محاولاً النهوض على ركبتي.
ينتابني شعور حاد وخاطف، كالبرق، يسري في جسدي من ركبتي حتى صدري ورأسي، ثم أقع ثانية.
ها هي الظلمة وها هو العدم مرة أخرى.
غفوت. لِم أبصرُ النجوم اللامعة في هذا الغسق البلغاري؟ أولست في خيمة؟ لم خرجت منها؟ أحرك نفسي فأجد ألماً فظيعاً في قدمَي.
بلى، لقد أصبت في المعركة. أفي الأمر خطورة؟ أتحسس موضع الألم في ساقي. ساقي اليمنى وكذلك اليسرى مغطيتان بدم متخثر. ألمسهما بيدي، فيشتد الألم. ألم يشبه ألم الأضراس: يعتصر الروح ولا ينقطع. يثقُل رأسي وفي أذني طنين. أستوعب بشكل ما أنني أصبت في ساقي. ما هذا؟ لماذا لم يحملوني؟ أوَ قد غلبَنا الأتراكُ؟ أشرع في استذكار ما مضى، تلتبس الذكريات في البداية ثم تتضح الأمور، أصل لاستنتاج جازم أننا لم نُهزَم. لأنني وقعت (لا أتذكر ذلك بالتحديد، ولكن أتذكر أن الجميع ركضوا نحو الأمام في حين أنني عجزت عن ذلك، وبقي شيء ما أزرق في عينيَّ) ووقعت في مرج صغير على تلة. أشار قائد كتيبتنا الشاب إلى هذا المرج. “يا شباب، سنكون هناك!” هكذا صاح بصوته الجهوري. وصرنا هناك: يعني أننا لم نهزم.. ولكن لماذا لم يحملوني؟ فها هنا، في هذا المرج، كل شيء واضح للعيان. لعلي لست الوحيد الذي يرقد هنا. لقد أطلقوا النار بغزارة. علي أن أدير رأسي وأنظر. وهذا يبدو متيسراً الآن، لأنني عندما استفقت في المرة السابقة، كنت أرى العشب والنمل الذي يزحف رأساً على عقب، وعندما حاولت النهوض، سقطت لكن ليس على هيئتي السابقة، بل استدرت على ظهري. لذا يمكنني أن أرى هذه النجوم.
أنهضُ وأقعدُ. وهذا صعب عندما تكون ساقاك مهشمتين. أحاول وأخيب بضع مرات، وفي النهاية وبعينين أدمعهما الوجع، أجلس.
فوقي – قطعة من سماء زرقاء مسودة، تتلألأ فيها نجمة كبيرة وبضع نجمات صغيرة، وما حولها شيء ما مظلم، وعال. إنها الشجيرات. أنا بين الشجيرات: لم يعثروا علي.
أشعر بحركة بصيلات شعر رأسي.
لكن كيف انتهى بي المطاف في الشجيرات، في حين أنهم أطلقوا النار عليّ في المرج؟ لا بد أنني بعد إصابتي، زحفت إلى هنا، غائباً عن الإدراك من شدة الألم. ويا لحيرتي أنني الآن لا أستطيع التحرك، بينما أمكنني حينئذ الزحف حتى هذه الشجيرات. أو ربما كنت قد أصبت برصاصة واحدة حينئذ ثم أجهزت علي رصاصة أخرى هنا.
حامت حولي بقع وردية باهتة، خفت بريق النجم الكبير، واختفت بضع نجمات صغيرات. هذا القمر يعلو. ما أجمل أن تكون في دارك الآن!
تطرق مسامعي أصوات غريبة… وكأنما أحدٌ يَئن. بلى، إنه أنين. أو يرقد حواليَ أحدٌ ما منسي مثلي، وهل كسرت ساقاه أم استقرت رصاصة في بطنه؟ كلا، الأنين قريب للغاية، ولكن لا يبدو ثمة أحد بجواري.. رباه، عساه، إنه أنا نفسي! أنات مكتومة ومكلومة; أوَ أتألم لهذا الحد؟ لا بد أنه كذلك. ولكنني لا أفهم هذا الألم، فعقلي مشوش كأن فيه ضباباً ورصاص1. خيرٌ لي أن أستلقي وأغفو، أنام، أنام… ولكن، هل تكون لي يقظة بعد ذلك؟ لا يهم.
ولما هممت أن أستلقي، أضاء طيف عريض باهت من نور القمرِ المكانَ الذي أتمدد فيه، ورأيت شيئاً ما حالكاً وجسيماً ممداً على بعد خمس خطوات مني. كان انعكاس نور القمر يظهر بعضاً منه. أتلك أزرار أم هي معدات عسكرية. أهذا جثة أم جريح؟
مهما يكن، أنا مستلق… كلا، هذا لا يمكن! لم ينسحب أصحابنا. إنهم هنا، لقد دحروا الأتراك واتخذوا هذا الموضع. ولكن لم لا أسمع أي حديث أو حسيس للنار؟ لا ريب أنني لا أسمعهم من شدة الوهن. هم، لا بد ها هنا.
النجدة!.. النجدة!
ينفجر من صدري صياح جامح أجش أحمق، وما منهم أحد يجيب. يتردد صدى الصيحات في نسيم الليل. وكل ما سواه ساكت. لا شيء سوى الجنادب التي تصر بلا انقطاع. القمر ينظر إلي كمداً بوجهه المستدير.
وهو، لو كان جريحاً، إذا لأفاقه هذا الصياح. إنه جثة. ولكن أهو منا أم من الأتراك؟ آه، رباه! وكأن الأمر ليس سيان. والنوم قد غلب عيني المحمومتين.
أستلقي وعيناي مغمضتان، مع أنني قد صحوت من مدة غير قصيرة. لا رغبة لي في فتح عيني، لأنني أتحسس وهج الشمس من خلال جفوني المغمضة: إذا فتحت عيني، ستكويهما الشمس. لذا فالأفضل ألا أتحرك.. البارحة (أو قد كانت البارحة؟) أٌصبت; مضى يوم وليلة، وستمضي أُخَر، ثم أموت.
سيان. خير لي ألا أتحرك. ليبق هذا الجسم ساكناً. لولا تعطل المخ معه! ولكن ما من شيء يزجره. تتزاحم الأفكار والذكريات في رأسي. ولكن هذا لن يدوم طويلاً، سينتهي قريباً. فمصيره أن يكون بضع أسطر في الصحف فحسب، قالوا، خسائرنا هينة، جرح عدد كذا; قتل المجند المتطوع إيفانوف. لا، ولن يذكروا حتى الأنساب; سيقولون: قتل واحد، وحسب. واحد من المجندين، واحد تماماً مثل تلك الكلبة…
تومض في مخيلتي صورة كاملة فجأة; كان ذلك منذ زمن بعيد، بخلاف ما أنا عليه، كل شيء، حياتي كلها، تلك الحياة، عندما لم أكن ممدداً هنا بساقين مكسورتين، ما أبعدها… كنت أمشي في الشارع، استوقفني رهط من الناس. كان الحشد واقفاً بصمت ينظرون شيء ما أبيض مغطى بالدم يعول من الألم. كانت كلبة صغيرة ظريفة; دعسها الترام المجرور بالخيل. ماتت، مثلما أموت الآن. أقبل حارس ما فدفع الحشد، التقط الكلبة من طوقها وحملها بعيداً. تفرق الحشد.
أوَ يحملني أحد؟ كلا، امكث مكانك وتجرع الموت. ويا لجمال الحياة وقتئذ!.. يومئذ (يوم أصاب الكلبة مكروه) كنت هانئ البال. مشيت منتشياً، فقد كنتُ على ما يرام. أنتُن، أيتها الذكريات، لا تعذبنني، دعنني! سعادة في الماضي، عذابات في الحاضر.. ليتها كانت الآلام وحسب، ليتها لم تعذبني الذكريات، فهي تجبرني على المقارنة، رغماً عني. آه واكرباه، واويلاه! أنتِ أنكى من الجراح.
إلا أن الحرارة اشتدت. الشمس تلفح. أفتح عيني فأرى الشجيرات عينها، والسماء ذاتها، إلا أنه في ضوء النهار. وها هنا جاري. نعم، إنه تركي، جثة. ما أضخمه! أنا أعرفه، هو نفسه ذاك الذي…
أمامي يرقد قتيلي. لِمَاذا قتلتُه؟
إنه يرقد هنا صريعاً، مُضَرَّجاً بدمائه. لِمَ ساقه القدر إلى هنا؟ من هو؟ ولعل له، كما لي، أماً عجوزاً. ستظل تجلس عند باب مَدَرَتِها الرثة كل مساء، ترنو بصرَها نحو الشمال البعيد: أتراه يجيء ابنُها قرة عينها، عامِلها ومعيلها؟
وماذا عني؟ وأنا مثله… بل لحللت محله. ما أسعده: لا يسمع شيئاً، ولا يشعر بأي ألم من جراحه، ولا يضنيه عذاب الموت، ولا عطش. اخترقت الحربة قلبه مباشرةً.. على بزته ثقب أسود كبير، حوله دم. أنا من فعل هذا.
لم أبتغ ذلك. لم أبتغ الشر لأي أحد حينما مضيت للقتال. وفكرة أنني سأضطر لقتل بشر فقد غابت عن فكري بشكل ما. لم أتصور سوى أنني سأشرع صدري للرصاص. فمضيتُ وشرعته.
ثم ماذا؟ أحمق، أحمق! وهذا الفلاح2 المسكين (إذ يرتدي بزةً مصرية) فأخف وزراً. فقبلُ، حشروه، كما يحشر السردين في علبة، على متن باخرة واقتادوه إلى القسطنطينية، لم يكن قد سمع بروسيا ولا ببلغاريا. أمروه بالمسير فسار. ولو نكص لانهالت عليه العصي ضرباً، أو ربما أرداه أحد الباشاوات برصاصة من مسدسه. قطع مسيرة طويلة مضنية من اسطنبول إلى روستشوك3. بادرنا بالهجوم فذاد عن نفسه. لكن حين رآنا، نحن القوم الرهيبين، الذين لا نهاب بندقيته الإنكليزية من طراز بيبودي-مارتيني.4 نندفع ونمضي قُدُماً، تملكه الرعب. ولما هم بالفرار وثب رجل ضئيل، كان بوسعه قتله بضربة واحدة من قبضته السوداء، وغرز الحربة في صدره.
ما ذنبه؟
وما ذنبي أنا، رغم أنني قتلته؟ ما ذنبي؟
لمَ ينهشني هذا العطش؟ العطش! من يدرك كُنه هذه الكلمة؟ فحتى حين كنا نغد السير في رومانيا، قاطعين في هجير الأربعين درجة مئوية نحو خمسين فرستاً5، لم أشعر بما أشعر به الآن. آه، لو أن أحدهم يأتي!
يا إلهي! لا بد أن في مطرته الضخمة هذه ماء! لكن علي أن أبلغه، مهما كان! سأصل إليه مهما كان. أزحف. ساقان تنجران خلفي، وذراعاي الواهنتان بالكاد تحركان جسدي الهامد. بيني وبين الصريع مقدار قامتين6، لكنهما بالنسبة إلي أبعد -ليس أبعد، بل أسوأ- من عشر فرستات. ولكن علي أن أزحف. حلقي يستعر، كأنما تكويه نار. ثم إن الموت بغير بماء سيعاجلني.. ومع ذلك، لعلَّني…
وها أنا أزحف. تتشبث ساقاي بالأرض، وكل حركة توقظ ألماً لا يطاق. أصرخ، صراخ وعويل، ومع ذلك أزحف. وأخيراً ها هو ذا. ها هي المطرة… فيها ماء، وما أكثره! يبدو أن فيها ما يزيد على النصف، أوه! سيكفيني هذا الماء طويلاً… حتى الممات!
أنت تنقذني يا ضحيتي!.. شرعت أفك المطرة، متكئاً على مرفق واحد، وفجأة فقدت توازني، فهويت بوجهي على صدر منقذي. كانت رائحة الجيفة النفادة قد بدأت تنبعث منه.
ارتويت. كان الماء دافئاً، لكنَّه لم يتكدر، وفوق ذلكَ كان وفيراً. سأحيا بضعةَ أيامٍ أخرى. خطر لي ما وردَ في كتاب «فيزيولوجيا الحياة العامة»7؛ أن الإنسانَ يمكنه البقاء حيّاً لأكثر من أسبوع دونَ طعام، شريطة وجود الماء. نعم، ثمةَ قصة هناك عن منتحر أماتَ نفسهُ جوعاً، لكنه صمد طويلاً لأنَّه كان يشرب.
وثم ماذا؟ إذا مد عمري خمسة أو ستة أيام أخرى، فما نفع ذلك؟ رفاقنا مضوا، والبلغار تشتتوا. ما من طريق قريب. أنا ميت لا محالة. كل ما فعلته أنني استبدلت بشقاء ثلاثة أيام شقاء أسبوع. أليس الأفضل لي أن أنهي الأمر؟ بندقية جاري ملقاة بجواره، صناعة إنكليزية ممتازة. ما علي إلا أن أمد يدي، ثم في لمح البصر، النهاية. الخراطيش مبعثرة هناك، متكومة. لم يسعفه الوقت ليطلقها كلها.
أأنهي الأمر أم أنتظر؟ وما انتظاري؟ النجاة؟ الموت؟ أم أنتظر حتى يجيء الأتراك ليسلخوا الجلد عن ساقي المصابتين؟ موتي بيدي أهون…
لا، يجب ألا أقنط، سأجاهد حتى النهاية، حتى آخر رمق. فإن وجدوني، نجوت. لعل العظام سليمة. سيعالجونني. سأرى وطني، أمي، وماشا.
إلهي، لا يعرفَنَّ كل ما جرى! ليظنوا أني أُصِبتُ في مقتل. ويحهم إن عرفوا أني تعذبت يومين، ثلاثة، أربعة!
رأسي يدور، لقد استنزفت الرحلة نحو جاري قواي تماماً. ثم هناك تلك الرائحة النتنة. كيف استحال سواداً… إلام سيصير غداً أو بعد غد؟ وها أنا ذا متمدد هنا لعجزي عن جر نفسي بعيداً. سأرتاح ثم أزحف عائداً لمكاني القديم؛ فالريح تهب من هناك وسيطرد عني هذه الزفرات الكريهة.
أستلقي، منهكاً تماماً. الشمس تحرق وجهي ويدي. لا شيء أتغطى به. عسى الليل يعجل؛ أحسب أنها الليلة الثانية.
تتلبد الخواطر، ويُغشى علي.
استغرقت في النوم، فما إن استيقظت حتى وجدت الليل قد خيم. كل شيء على حاله: الجراح تئن، وجاري هناك راقد، بضخامته وهموده.
لا يسعني أن أغالب فكري فيه. واحسرتاه، هجرت كل غال وعزيز وقطعت ألف فرست راجلاً، كابدت الجوع والقر والقيظ؛ أيعقل أني بعد هذا أرقد في هذا العذاب، وكل ذلك فعلته فقط لأجل أن تُسلَبَ روح هذا البائس؟ وهل قدمت شيئاً ذا بال لمساعينا في الحرب سوى هذه الجناية؟
جناية وجان… ومن يكون؟ أنا!
حينما اعتزمت المسير للقتال، لم تثننني أمي ولا ماشا عن ذلك، وإن بكتا علي. أعمتني تلك الفكرة، فلم ألحظ دموعهما. لم أستوعب حينئذ (وقد استوعبت الآن)، ما قد فعلته بأقرب الناس إلي.
وأيُّ مَوقفٍ غريبٍ ذاك الذي أبداهُ لي كثيرٌ من مَعارفي حيالَ صنيعي! “يا له من أحمق8! يخبط خبط عشواء!” كيف سولت لهم أنفسهم ذلك القول؟ كيف يستقيم هذا الكلام مع مفاهيمهم عن البطولة وحب الوطن ونحو ذلك؟ إذ كنت مثال كل تلك الفضائل أمام أعينهم، ثم ها أنا في رأيهم “أحمق”
وها أنذا ماضٍ إلى كيشيناو9؛ مُحمَّلاً على كاهلي بحقيبة وما تتسع له من عتاد عسكري. أمشي مع الآلاف، الذين لا يكاد يوجد بينهم سوى قلة مثلي، ممن تطوع. أما البقية فلو خُيِّروا لبقوا في ديارهم. إلا أنهم هنا يسيرون كما نسير نحن “الواعون”، يقطعون آلاف الفرستات ويقاتلون كما نقاتل، بل وربما أفضل. يؤدون واجبهم، وهم أنفسهم سيولون الأدبار ويغادرون، لو أُذِن لهم.
هب نسيم الصباح البارد. اهتزت الشجيرات، ورفرف طائرٌ وسنان. خبت النجوم. اكتست زرقة السماء الداكنة لوناً رمادياً، تغشاها غيمات رهيفة كأنها ريش، وصعد الغبش من الأفق. حل اليوم الثالث لـ… ماذا أسميه؟ حياتي؟ أم نزعي؟
الثالث… كم بقي منها؟ على أي حال، القليل10. خارت قواي، وأحسب، أنني لن أقوى حتى على التزحزح بعيداً عن الجثة. عما قليل سنتعادل، ولن يفرِك أحدنا الآخر.
لا بد أن أشرب. سأشرب ثلاث مرات في اليوم: صباحاً، وعند الظهيرة، ومساءاً.
بزغت الشمس. بقرصها الهائل، وقد تشعب خلف فروع الشجيرات السوداء، أحمر كالدم. يبدو أنه سيكون يوماً حاراً. يا جاري، ماذا سيحل بك؟ فما أبشعك الآن.
نعم، كان بشعاً. بدأ شعره يتساقط. بشرته السوداء خلقة، شحبت واصفرت؛ وجهه المنتفخ شدّها شداً حتى انفتفت خلف أذنه. تمعَّج11 النغف هناك. قدماه المحشورتان في بسطاره قد انتفختا، وبين مشابك البسطار برزت بثور ضخمة. وصار كله كالجبل انتفاخاً. ماذا ستفعل به الشمس اليوم؟
البقاء بهذا القرب منه أمر لا يحتمل. لا بُدَّ لي من الزحفِ بعيداً مهما كلفني الأمر. لكن، هل أقوى؟ لا أزالُ قادراً على رفعِ يدي، وفتحِ المَطْرَة، والارتواء؛ لكن— أن أنقُلَ جسدي الثقيلَ الهامد؟ ومع ذلك، سأتحرك، ولو قليلاً، ولو لنصفِ خطوةٍ في الساعة
انقضى صباحي كلُه في هذه الحركة. الألم شديد، لكن ما بالي به الآن؟ لم أعد أذكر، بل لا أستطيع تمثُّلَ أحاسيسِ إنسانٍ سليم. خُيّلَ إلي أنني اعتدت الألم. في هذا الصباح، نجحتُ أخيراً في الزحف مسافة قامتَين، فوَجدتُني في مكاني القديم. لكنني لم أنعم بالهواء العليل طويلاً، إن كانَ ثمةَ هواءٌ عليلٌ على بُعد ست خطوات من جيفةٍ تتفسّخ. تبدَّلت الريحُ فعادت تَحمل إليَّ النّتن، وبقوة جعلتني أتقيأ. مَعِدتي الخاوية تَنقبضُ بتشنج ومَرارة؛ أحشائي كلها تضطرب. أما ذلكَ النتن الذّفرُ فينسابُ نحوي في مَوجات.12
يَتملّكُني اليأسُ فأنشجُ بالبُكاء.
محطم تماماً، ذاهل الوعي، راقداً في غيبوبة شبه تامة. وفجأة… أليس ذلك سراباً من مخيلتي المعتلة؟ أحسبه أنه ليس كذلك. بلى، هذا صوت حديث. حوافر خيل، لغط بشر. كدت أصرخ، لكني تمالكت نفسي. ماذا لو أنهم الأتراك؟ ماذا سيحدث حينئذ؟ ستُضاف إلى هذه الآلام آلامُ أخرى، أفظع منها، أهوال تقشعر لها أجساد من يقرأ عنها في الصحف. سيسلخون جلدي، ويصلون ساقي الجريحتين ناراً. ويا ليتهم يكتفون بذلك؛ فلديهم فنون في ذلك. أوَ خيرٌ لي أن أجعل موتي بأيديهم، من أن أموت هنا؟ ولكن ماذا لو كانوا أصحابنا؟ تباً لك أيتها الشجيرات! ما بالكِ أنبتِّ حولي هذا السور الغليظ؟ لا أرى شيئاً من خلالها؛ سوى في موضع واحد وكأن نافذة من بين الأغصان تفتح لي إطلالة بعيدة نحو بطحاء من الأرض. هناك جدولاً، لعله الذي شربنا منه قبل المعركة. نعم، وكومة الرمال الضخمة التي وضعوها فوق الجدول جسراً. لا بد أنهم سيعبرون من فوقها. صمتَ الكلام. لم أعد أتبين لغتهم التي يتحدثون بها؛ فحتى سمعي قد وهن.
رباه! لو كانوا أصحابنا… سأصيح فيهم؛ ليسمعنني ولو من عند الجدول. ذلك خير من المخاطرة والوقوع بين براثن الباشبوزوق.13 ما بالهم يماطلون في المسير؟ اللهفة تكويني؛ حتى أنني لم أعد ألحظ رائحة الجثة، مع أنها لم تخف ولو قليلاً.
وفجأة عند ذلك المعبر على الجدول تراءى القوزاق!14 بزات زرقاء، وسراويل ذات حواش حمراء، ورماح. نصف فصيل15 بتمامه. يتقدمهم، على جواد فاره، ضابط أسود اللحية. وما إن عبر الفصيل الجدول، حتى استدار بجسده كله على السرج إلى الخلف وصاح:
هر-ولة، سر!
قفوا، قفوا، أسألكم بالله! الغوث الغوث، يا أخوة! – هكذا صرخت، لكن وقع سنابك الخيول القوية، وخشخشة الشاشكات16، ولغط القوزاق الصاخب كان أطغى من حشرجتي، فلم يسمعني أحد!
يا ملاعين! غالبني الإنهاك فسقطت بوجهي على الأرض وأجهشت بالبكاء. والماء يسيل من المطرة التي قلبتها، ومعه حياتي ونجاتي ومهلتي من الأجل. لم أنتبه لذلك إلا وقد بقي من الماء أقل من نصف كوب، وأما سائره فقد ابتلعته الأرض الجافة الجشعة.
هل يسعني استحضار ذلك الذهول الذي تملكني بعد تلك الحادثة الرهيبة؟ كنت راقداً بلا حراك، بعينين كليلتين. والريح لا تنفك تتبدل روحة وجيئة، تارة تهب علي بنسيم عليل نقي، وتارة تغمرني بالنتن. والجار قد صار من البشاعة ما يفوق كل وصف. فتحت عيني مرة لأنظر إليه، ففزعت. لم يعد له وجد، لقد انزلق عن العظام. الابتسامة العظمية الفظيعة، الابتسامة الأبدية التي بدت لناظري أكبر مقتاً وهولاً من أي شيء مضى، رغم أنني أمسكت العديد من الجماجم وشرحت رؤوساً كاملة17. قد أرعد فرائصي هذا الهيكل العظمي في بزته العسكرية ذات الأزرار اللامعة. “هذه هي الحرب” – قلت في نفسي “ها هي صورتها”.
وأما الشمس، فما زالت تلفح وتكوي. وقد اكتوت يداي ووجهي سابقاً. شربت ما بقي من الماء كله. بلغ مني الظمأ مبلغه، إذ لما عزمت على جرعة صغيرة، عببت الماء كله. ويحي لِمَ لم أصح وأنادي القوزاق وهم على مقربة مني! بل ولو كانوا أتراكاً لكن ذلك أهون. لعذبوني ساعة أو اثنتين، أما هنا… فلا أدري كم يطول مكثي ملقى أعاني. أمي يا عزيزتي! ستنتفين شعرك الأشيب، وتضربين برأسك الحائط، وتلعنين اليوم الذي ولدتي فيه، ستلعنين العالم بأسره لأنه سن الحرب شقاءً للبشر!
لكنك وماشا، على الأرجح، لن تسمعا شيئاً عن عذابي. وداعاً يا أمي، وداعاً يا خطيبتي، يا حبي! آه ما أثقله وأمرّه، هذا الشيء الذي يعتصر فؤادي..
ها هي ذي الكلبة البيضاء مرة أخرى! لم يشفق عليها البواب، ضرب رأسها بالحائط وألقى بها حيث تُطرح القمامة وتلقى القاذورات. لكنها ظلت حية. وتعذبت ليوم كامل. أما أنا فأشد بؤساً منها؛ إذ مضت علي ثلاثة أيام في هذا الشقاء. غداً هو الرابع، ثم الخامس فالسادس… أين أنت أيتها المنية، تعالي هلمي! خذيني!
لكن الموت لا يأتي فيأخذني. وها أنذا أرقد تحت هذه الشمس الرهيبة، وليس لدي قطرة ماء ترطب حلقي الملتهب، والجثة تنفث عدواها في. لقد تفسّخ تماماً. يرقات لا أحصيها عدداً تتساقط منه. يا لتمعجها! فإذا ما نُخر كله ولم يبق منه سوى العظام والبزة، يجيء دوري. وسأصير لما صار إليه.
يمضي اليوم، وتنصرم الليلة. وما زلت على حالي. يحل الصباح. والحال كما هو. يمضي يوم آخر…
تهتز الشجيرات وتحف، كأنها تتهامس فيما بينها بهدوء. “إنَّك ميت لا محالة، ميّت، ميّت!” – هذا ما تهمس به. “لن ترى، لن ترى، لن ترى!” –جواب من الشجيرات المقابلة.
لن تراهم وأنت هنا! – يدوي صوت مرتفع على مقربة مني
أرتعد وأستعيد وعيي على الفور. ترمقني من بين الشجيرات عينا ياكوفليف الزرقاوان الطيبتان، عينا عريفنا.
المعاول! يصيح هو. – ثمة اثنان هنا، واحد منا وواحد منهم.
“لا داعي للمعاول، لا تدفنوني، فأنا حي!” – أريد أن أصيح، لكن لا تنبس شفتاي سوى بأنين واهن.
يا إلهي! أصدقاً هو حي؟ حضرة السيد إيفانوف! يا شباب! هلموا إلى هنا، سيدنا18 حي! استدعوا الطبيب حالاً!
بعد نصف دقيقة سكبوا في فمي ماء وفودكا وشيئاً آخر. ثم تلاشى كل شيء
تأرجحت المحفة19 بإيقاع منتظم. هدهدني هذا الإيقاع المنتظم. كنت أصحو تارة وأغفو أخرى. ما عادت الجراح المضمدة تؤلمني؛ ثمة شعور بالراحة لا يمكنني وصفه يسري في جسدي كله…
تو-قف! أنـ-زِل! أيها المسعفون، فرقة المناوبة الرابعة، سر! أمسك المحفة، ار-فَع!
إنه الآمر بيوتر إيفانيتش، ضابط المشفى الميداني، رجل نحيل طويل القامة وطيب القلب جداً. هو من الطول بحيث أنني كلما قلبت عيني نحوه أرى رأسه بلحيته الخفيفة الطويلة ومنكبيه، رغم أن النقالة يحملها أربعة من الجنود الضخام.
بيوتر إيفانيتش! همستُ
ما الخطب يا غالي؟
انحنى بيوتر إيفانيتش نحوي.
بيوتر إيفانيتش، ماذا قال لك الطبيب؟ هل سأموت قريباً؟
ما الذي تقوله يا إيفانوف، حسبك! لن تموت. فعظامك كلها سليمة. يا لحظك! لا كسر في عظم ولا قطع في شريان. أنى لك النجاة طيلة هذه الأيام الثلاثة والنصف؟ ماذا أكلت؟
لا شيء
وماذا شربت؟
أخذت مطرة التركي. بيوتر إيفانيتش، لا أقوى على الكلام الآن. بعد.20
طيب، أعانك الله يا غالي، نم الآن.
عاد النوم والغيبوبة.
استيقظت في المشفى الميداني. من حولي الأطباء وأخوات الرحمة21، ومن بينهم أبصر وجهاً مألوفاً لبروفيسور شهير من سانت بطرسبرغ، واقفاً منحنياً نحو ساقيَّ. يداه ملطختان بالدم. يعاين قدميَّ للحظة ثم يلتفت إلي قائلاً:
لقد نجاك الله أيها الشاب! ستعيش. أخذنا منك إحدى ساقيك؛ لكن لا عليك، ذلك هين. هل تستطيع الكلام؟
أستطيع الكلام، وها أنا أقص عليهم كل ما هو مكتوبٌ هنا.
1877.
نُشرت قصة «أربعة أيام» عام 1877 وكُتبت في المشفى العسكري إبان الحرب الروسية العثمانية، لتصعد بغارشين فوراً إلى مصاف كبار الأدباء الروس. وهي عمل يستند إلى تجربة ذاتية للكاتب فيسيفولود ميخايلوفيتش غارشين الذي تطوع جندياً في سن الثانية والعشرين وأُصيب في ساقه خلال معركة «أياصلار»، ليقضي عدة أيام وحيداً في أرض المعركة وسط الجثث قبل أن يُعثر عليه. تتبع القصة تجربة الجندي المتطوع إيفانوف الذي سقط جريحاً يواجه الموت والتفسخ وبشاعة الحرب.
مصدر النص من مكتبة ماكسيم ماشكوف
المادة الأصلية مطبوعة: Отечественные записки/1877 Стр 461-474
- يقصد الكاتب ثقلاً في الرأس وتشوشاً في الوعي، حيث يشبه معدن الرصاص في ثقله وتأثيره. ↩︎
- في النص الأصلي феллах، أي فلاح بلفظه العربي, ويشير بذلك إلى الجندي المصري الذي كان يخدم في صفوف الجيش العثماني، حيث أرسل الخديوي إسماعيل قوات لمساندة السلطان. ↩︎
- التسمية العثمانية لمدينة روسه، وهي مدينة في شمال شرق بلغاريا على الضفة الشرقية لنهر الدانوب. ↩︎
- بندقية Peabody-Martini صُنعت في أميركا من قبل شركة بروفيدنس لصالح الدولة العثمانية، وهي نسخة طبق الأصل من البندقية البريطانية Martini-Henry واعتمدها العثمانيون لدقتها العالية وعيارها الفتاك. ↩︎
- Верста: وحدة قياس روسية قديمة تعادل 1066.8 متراً. ↩︎
- Сажень: وحدة قياس روسية قديمة تعادل 2.1336 متراً. ↩︎
- يقصد كتاب The Physiology of Common Life لجورج هنري لويس ونشر سنة 1859 ↩︎
- юродивый تسمية تطلق على النساك الذين بالغوا في التقشف والانصراف عن الأمور الدنيوية حتى بدوا كالمجانين، عرفوا أيضاً باسم الحمقى المباركين. يقابلهم الدراويش في تراثنا. ↩︎
- عاصمة مولدوفا. ↩︎
- أي من الأيام. ↩︎
- اليرقات التي تقتات على الجثث، وحركتها تمعُّج. ↩︎
- الترجمة الحرفية لما قال عن الهواء: يسبح نحوي. ↩︎
- وتعني بالتركية فاسد الرأس. تسمية أطلقت على المتطوعين غير النظاميين. عُرفوا في السجلات التاريخية والأدبية بشراستهم المفرطة وتحللهم من الانضباط العسكري التقليدي. ↩︎
- مجموعات عرقية عسكرية استوطنت مناطق الحدود والسهوب بين روسيا وأوكرانيا. عُرفوا بنمط حياة قائم على الفروسية والاستقلالية، وشكلوا لقرونٍ القوةَ الضاربة في سلاح الخيالة التابع للجيش الروسي القيصري. ↩︎
- يتكون الفصيل сотня في التنظيم العسكري للقوزاق من مئة عنصر، وينقسم إلى نصفين متماثلين полусотня. ↩︎
- شاشكا: نوع من السيوف اشتهر في شمال القوقاز. ↩︎
- استعماله لمفردات روسية دقيقة في الطب والبيولوجيا قرينة على أنه ملم بالعلوم الطبيعية. ↩︎
- نبرة التبجيل مردها كون الجندي إيفانوف متطوعاً من النبلاء المثقفين. ↩︎
- نقالة المرضى. ↩︎
- أي يريد الحديث فيما بعد. وفي القصة نجد الكلام مقتضباً وقصيراً، وأحياناً أشبه بكلام الأطفال. وهذا التبسيط اللغوي ليس ناتجاً عن الإنهاك الجسدي فحسب، بل هو تمثيل للارتداد اللغوي الذي يصاحب الصدمة العنيفة والألم المبرح. وهو أمر تعمده الكاتب. ↩︎
- ممرضات متطوعات من الطبقات الروسية النبيلة، نشأت رتبتهنَّ من أخويات دينية رأت في التمريض واجباً روحياً ومهمة مقدسة. برزن مؤسسياً منذ حرب القرم، وجمعن في عملهنَّ بين الرعاية الطبية والمواساة الإيمانية للجرحى. عملن تحت إشراف الصليب الأحمر الروسي. ↩︎

اترك تعليقاً